الشيخ محمد رشيد رضا

576

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بقدرته ، ولا بتأثيره في قدرته تعالى وارادته ، ولا بجاهه عنده وشفاعته ، إذ لا تأثير لشيء من المخلوقات في مشيئة الخالق الأزلية الجارية بما ثبت في علمه الأزلي وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي ان علم ربي وسع كل شيء وأحاط به . ومشيئته مرتبطة بعلمه المحيط القديم وقدرته منفذة لمشيئته ، فلا يمكن ان يكون لشيء من المخلوقات التي تعبدونها ولا لغيرها تأثير مّا في صفاته ، ولا في أفعاله الصادرة عنها ، لا بشفاعة ولا غيرها ، وانما يكون ذلك لو كان علم اللّه تعالى غير محيط بكل شيء ، فيعلمه الشفعاء والوسطاء من وجوه مرجحات الفعل أو الترك بالشفاعة أو غيرها ما لم يكن يعلم ، فيكون ذلك هو الحامل له على الضر أو النفع ، أو العطاء أو المنع ، أخذنا هذا المعنى لهذه الجملة من حجج اللّه تعالى على نفي الشفاعة الشركية بمثل قوله ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) فراجع تفسيره ( في ص 31 من جزء التفسير الثالث ) وجعل الجملة بعضهم كالتعليل للاستثناء ، بجواز أن يكون قد سبق في علمه تعالى أصابته بسوء يكون سببه الأصنام ، أو لبيان انه لإحاطة علمه لا يفعل الا ما فيه الخير والصلاح ، وجعلها بعضهم تعريضا بجهل معبوداتهم من الكواكب والأوثان ، وما قلناه أرجح وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن . أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أيها الغافلون ان هذا هو شأن الرب الفاطر ، وأنه ينافي ما أنتم عليه من الشرك الظاهر ، ومنه اعتقاد وقوع الضرّ بي أو النفع لكم ، بالتصرف الذي تزعمونه في معبوداتكم ؟ وقد تقدم انهم كانوا مؤمنين بأن للعالم كله ربا خالقا غير هذه الآلهة والأرباب المتخذة من مخلوقاته اتخاذا ، ولكنهم لم يكونوا يعقلون بأنفسهم أن نسبة جميع الخلق إلى الخالق واحدة من حيث إنه هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فسخر ما شاء لما شاء بسنن الاقدار ، ونظام الأسباب والمسببات ، ثم هدى العقلاء لتلك الأسباب ، ليطلبوا المنافع ويتقوا المضار ، وقد ظهر بالدلائل والتجارب انها مسخرة على سواء ، فالسلطة الغيبية العليا له وحده ليس لغيره تأثير فيها معه ولا تدبير ، فإذا جعل بعض الأجناس أو الاشخاص سببا للنفع أو الضر بإرادة خلقها لها كالحيوانات ، أو بغير إرادة كالجمادات ، فلا يقتضي ذلك أن ترفع عن رتبة المخلوقات ، وتجعل أربابا